الدليل الموسوعي رحلة في عالم أنواع عسل النحل وتصنيفاته المختلفة

عندما نتحدث عن العسل، يتبادر إلى ذهن الكثيرين تلك الصورة النمطية للسائل الذهبي اللزج الموجود في برطمانات السوبر ماركت. ولكن الحقيقة التي يجهلها الكثيرون أن عالم العسل هو عالم واسع، معقد، وشديد التنوع. إنه يشبه إلى حد كبير عالم العطور أو القهوة؛ حيث تختلف النكهة، واللون، والقوام، والفائدة العلاجية بناءً على مئات العوامل المختلفة. في موقع موضوعي، قررنا أن نضع بين يديك هذا المرجع الشامل الذي يغوص في أعماق الطبيعة ليشرح لك أنواع عسل النحل من منظور تصنيفي دقيق، ولكنه مبسط. سننتقل بك من الوديان التي ينمو فيها السدر، إلى غابات نيوزيلندا، وصولاً إلى الحقول البرية، لنفهم كيف يؤثر الرحيق، وطريقة الاستخلاص، والمعالجة على هذا المنتج الرباني.
إن تصنيف العسل لا يعتمد فقط على اسم الزهرة؛ بل هناك تصنيفات تعتمد على القوام (سائل، متبلور، كريمي)، وتصنيفات تعتمد على المصدر (زهري أو ندوي)، وأخرى تعتمد على الغرض من الاستخدام. فهم هذه الفروقات سيجعل منك خبيراً قادراً على اختيار النوع الأنسب لصحتك ومائدتك، بعيداً عن العشوائية في الاختيار.

أولاً: تصنيف العسل حسب المصدر الزهري (النباتي)

يُعد المصدر الزهري هو العامل الأساسي والأكثر أهمية في تحديد هوية العسل. النحل يجمع الرحيق من النباتات المحيطة بالمنحل، ونوع هذا الرحيق هو ما يحدد “بصمة” العسل الكيميائية والحسية. ينقسم هذا التصنيف بشكل رئيسي إلى قسمين:

1. العسل أحادي الزهرة (Monofloral Honey)

يُطلق عليه أيضاً العسل النقي، وهو العسل الذي يأتي بنسبة سائدة (غالباً تزيد عن 45% إلى 80% حسب المعايير الدولية) من نوع واحد من الأزهار. ولتحقيق ذلك، يضع النحالون خلاياهم في مناطق شاسعة مزروعة بنوع واحد من النباتات أثناء موسم تزهيرها. إليك أشهر هذه الأنواع عالمياً وعربياً:
  1. عسل السدر (Sidr Honey) 📌 يُلقب بـ “الذهب السائل” في العالم العربي. يُستخرج من أزهار شجرة السدر (النبق) التي تنمو في المناطق الصحراوية والجبلية، خاصة في اليمن والسعودية. يتميز بلونه العنبر الداكن، قوامه الثقيل، وطعمه القوي الذي يجمع بين الحلاوة ونكهة خفيفة تشبه التوابل. يُعرف بخصائصه المضادة للميكروبات وقدرته العالية على رفع المناعة، وهو من أغلى الأنواع ثمناً.
  2. عسل المانوكا (Manuka Honey) 📌 فخر إنتاج نيوزيلندا وأستراليا. يُنتج من رحيق شجيرات المانوكا البرية. ما يميزه هو احتواؤه على مركب فريد يسمى “ميثيل جليوكسال” (MGO)، مما يمنحه قوة علاجية استثنائية ضد البكتيريا والالتهابات. لونه داكن، قوامه كثيف جداً (أقرب للكريمي)، وطعمه ذو نكهة أرضية عشبية قد لا يستسيغها البعض كعسل مائدة، بل يُعامل كدواء.
  3. عسل الأكاسيا (Acacia Honey) 📌 الخيار المفضل للأطفال ومحبي الطعم الخفيف. يُنتج من أزهار شجرة الروبينيا (السنط الكاذب). يتميز بلونه الشفاف جداً كأنه ماء، ومذاقه الزهري اللطيف. نقطة قوته تكمن في احتوائه على نسبة عالية من الفركتوز، مما يجعله يبقى سائلاً لفترات طويلة جداً ولا يتبلور بسهولة، وهو خيار ممتاز لمرضى السكري (باعتدال) لانخفاض مؤشره الجلايسيمي مقارنة بغيره.
  4. عسل البرسيم (Clover Honey) 📌 هو العسل الكلاسيكي الأكثر انتشاراً في العالم وأمريكا الشمالية. يُستخرج من زهور البرسيم الحلو. يتميز بلونه الفاتح الذي يميل للأبيض أو العنبر الخفيف، وطعمه المعتدل الذي يرضي جميع الأذواق. يتبلور بسرعة ويتحول إلى كتلة صلبة بيضاء، وهو ممتاز للتحلية اليومية والمخبوزات.
  5. عسل الكينا (Eucalyptus Honey) 📌 عسل ذو طابع خاص ورائحة نفاذة تشبه المنثول. يأتي من أشجار الكينا المتنوعة. لونه يتراوح بين العنبر المتوسط والداكن. يُشتهر باستخدامه الشعبي في تخفيف أعراض نزلات البرد والسعال نظراً لخصائصه الملطفة ورائحته التي تساعد في فتح المجاري التنفسية.
  6. عسل الحمضيات / الموالح (Citrus Honey) 📌 يُجمع من بساتين البرتقال، الليمون، واليوسفي. يتميز برائحة عطرية فواحة تذكرك برائحة الزهر، وطعم خفيف محبب مع لمسة حموضة خفيفة جداً. لونه فاتح وقوامه متوسط الكثافة، ويُعتبر مهدئاً للأعصاب وممتازاً قبل النوم.

2. العسل متعدد الزهور (Polyfloral Honey)

يُعرف تجارياً باسم “عسل الزهور البرية” (Wildflower Honey). في هذا النوع، لا يجمع النحل الرحيق من زهرة محددة، بل يجول في الحقول والغابات ويجمع الرحيق من عشرات أو مئات الأنواع المختلفة من النباتات التي تزهر في نفس الوقت.
  • الخصائص المتغيرة: لا يمكن التنبؤ بطعم أو لون هذا العسل بدقة، فهو يختلف من موسم لآخر ومن منطقة لأخرى. قد يكون داكناً وقوياً في سنة، وفاتحاً وخفيفاً في السنة التالية.
  • القيمة الغذائية: يعتقد الكثير من الخبراء أن العسل متعدد الزهور قد يكون أغنى بالمعادن والفيتامينات ومضادات الأكسدة لأنه يجمع خصائص نباتات متعددة في عبوة واحدة، مما يوفر تنوعاً بيولوجياً مفيداً للجسم “كوكتيل مناعي”.
  • السعر: غالباً ما يكون سعره أقل تكلفة من العسل أحادي الزهرة النادر، مما يجعله خياراً اقتصادياً ممتازاً للاستخدام اليومي.
أنواع عسل النحل
أنواع عسل النحل

ثانياً: تصنيف العسل حسب طريقة المعالجة والتجهيز

بعد أن يجمع النحل العسل، يأتي دور النحال وعمليات التجهيز. الطريقة التي يتم بها استخلاص العسل وتعبئته تلعب دوراً حاسماً في تصنيفه وجودته النهائية. إليك الفروقات الجوهرية:
نوع العسل الوصف وطريقة التجهيز المميزات والعيوب
العسل الخام (Raw Honey) هو العسل كما يوجد في الخلية تماماً. يتم استخراجه وتصفيته من الشوائب الكبيرة (مثل أجزاء النحل أو الشمع) فقط، دون تعريضه لأي حرارة عالية (بسترة) أو فلترة دقيقة.
  • الميزة: يحتفظ بجميع الإنزيمات، حبوب اللقاح، والفيتامينات. هو الخيار الصحي الأول.
  • العيب: يتبلور بسرعة وقد يبدو عكراً (غير صافٍ).
العسل المبستر (Pasteurized Honey) عسل تم تسخينه لدرجات حرارة عالية ثم تبريده بسرعة. الهدف هو قتل الخمائر لمنع التخمر وتأخير التبلور ليظل سائلاً ولامعاً على الأرفف.
  • الميزة: شكل جذاب، قوام سائل لفترة طويلة، وسهل الصب.
  • العيب: الحرارة تقتل الإنزيمات الحيوية وتقلل فوائده العلاجية بشكل كبير.
شمع العسل (Comb Honey) يُباع العسل وهو لا يزال داخل الشمع السداسي الذي بناه النحل. لم يلمسه بشر ولم يدخل آلات الفرز.
  • الميزة: أضمن طريقة لتناول عسل طبيعي 100%، والشمع نفسه قابل للأكل ومفيد.
  • العيب: باهظ الثمن وصعب التخزين والاستخدام في وصفات الطبخ.
العسل الكريمي (Creamed Honey) ليس عسلاً مضافاً إليه كريمة أو حليب! بل هو عسل طبيعي خضع لعملية “تبلور موجه”. يتم خلطه بطريقة معينة لتكسير بلورات السكر وجعلها ناعمة جداً ليكون قابلاً للدهن.
  • الميزة: قوام ناعم كالزبدة، لا يسيل من الساندويتش، وممتع للأكل.
  • العيب: قد يتعرض لتسخين بسيط أثناء التحضير في بعض الطرق التجارية.

ثالثاً: العسل الندوي (ليس من الزهور!)

هذا النوع يثير دهشة الكثيرين. هناك أنواع من العسل لا تُنتج من رحيق الأزهار، بل من مصادر أخرى. ويُعرف بـ “عسل الغابة” (Forest Honey) أو “عسل المن” (Honeydew Honey).
في هذه الحالة، يقوم النحل بجمع إفرازات سكرية تتركها حشرات صغيرة (مثل المن) على أوراق الأشجار وسيقانها، أو يجمع العصارة الحلوة التي تفرزها بعض الأشجار مباشرة (مثل الصنوبر، البلوط، والتنوب).
  • اللون والطعم: يتميز بلون داكن جداً (يقترب من الأسود أحياناً)، وطعم أقل حلاوة من عسل الزهور، مع نكهة مالحة قليلاً أو خشبية وراتنجية.
  • التركيبة: يتميز بانخفاض نسبة الجلوكوز والفركتوز مقارنة بالسكريات المعقدة، وارتفاع مذهل في نسبة المعادن ومضادات الأكسدة. هو خيار مفضل للرياضيين ومن يعانون من فقر الدم نظراً لغناه بالمعادن.
  • أمثلة شهيرة: عسل الصنوبر التركي واليوناني، وعسل الغابة السوداء الألماني (Black Forest Honey).

رابعاً: تصنيف العسل حسب الاستخدام

لا يصلح كل عسل لكل غرض. التصنيف العملي يساعدك في تحديد النوع المناسب لاحتياجك سواء كان للمائدة أو للصناعة:
  1. عسل المائدة (Table Honey) 📌 هو العسل المخصص للاستهلاك المباشر. يتم اختياره بناءً على الطعم، الرائحة، واللون الجذاب. غالباً ما يكون عسلاً سائلاً أو كريمياً، ويشمل الأنواع الفاخرة مثل السدر والمانوكا والأكاسيا. معايير جودته صارمة جداً.
  2. عسل المخابز / الصناعي (Baker’s Honey) 📌 هذا العسل قد يكون تعرض لحرارة زائدة، أو بدأت فيه علامات تخمر طفيفة، أو أن طعمه ورائحته غير مناسبين للأكل المباشر. يُباع بأسعار منخفضة للمصانع لاستخدامه في صناعة البسكويت، الحلويات، والصلصات، حيث أن الحرارة أثناء الخبز ستخفي عيوبه وتقتل أي خمائر، ويبقى دوره كمحلي طبيعي ومحسن للقوام.
  3. العسل الطبي (Medicinal Grade Honey) 📌 هو عسل خضع لتعقيم خاص (غالباً بأشعة جاما) لضمان خلوه من أي أبواغ بكتيرية، مع الحفاظ على نشاطه الإنزيمي. يُستخدم في المستشفيات لتضميد الجروح والحروق القرحية (مثل عسل المانوكا الطبي)، ولا يُباع عادة في أقسام الأغذية بل في الصيدليات.

عوامل تؤثر على جودة ونوع العسل

قد تشتري عسل سدر من منطقتين مختلفتين وتجد فرقاً شاسعاً. لماذا؟ لأن نوع العسل لا يتوقف فقط على الاسم، بل يتأثر بعوامل بيئية وجغرافية دقيقة:
  • الجغرافيا والتربة: العسل المنتج في الجبال يختلف عن عسل السهول. نوع المعادن في التربة ينتقل عبر النبات إلى الرحيق ثم إلى العسل.
  • المناخ والموسم: الأمطار الغزيرة قد تخفف تركيز الرحيق، بينما الجفاف قد يجعله أكثر كثافة. عسل الربيع يختلف عن عسل الخريف حتى لو كان من نفس المنطقة.
  • سلالة النحل: نعم، النحلة نفسها تؤثر! بعض السلالات تجمع الرحيق بنشاط أكبر، والبعض الآخر يضيف إنزيمات بنسب مختلفة.
أنواع عسل النحل
أنواع عسل النحل

كيف تختار النوع الأنسب لك؟

وسط هذا الكم الهائل من أنواع عسل النحل، كيف تتخذ القرار؟ إليك دليل سريع لمساعدتك في اتخاذ القرار بناءً على حاجتك الشخصية:
الغرض من الاستخدام النوع المقترح السبب
لرفع المناعة وعلاج الحلق عسل السدر، المانوكا، أو العسل الجبلي. غناها بمضادات الأكسدة والخصائص المضادة للميكروبات.
للأطفال والتحلية اليومية عسل الأكاسيا، البرسيم، أو الحمضيات. طعمها خفيف، حلاوتها مقبولة، ولا تحتوي على نكهات دوائية قوية.
لمرضى السكري (بحذر) عسل الأكاسيا أو عسل السدر. تحتوي على نسبة فركتوز أعلى مما يقلل من الارتفاع المفاجئ للسكر في الدم (مقارنة بالجلوكوز).
للرياضيين والطاقة عسل الغابة السوداء أو العسل متعدد الزهور. غنية بالمعادن والأملاح المعدنية لتعويض المجهود العضلي.
للدهن على الخبز (السندويتشات) العسل الكريمي (Creamed Honey). سهل الفرد ولا ينسكب، مما يجعله خياراً عملياً للإفطار.
ملاحظة هامة: مهما كان نوع العسل الذي تختاره، تأكد دائماً من قراءة الملصق والبحث عن عبارة “عسل خام” أو “عسل طبيعي 100%”، وتجنب المنتجات التي تحتوي على إضافات مثل شراب الذرة أو النكهات الصناعية.
خاتمة المقال
 في النهاية، يمكننا القول أن عالم أنواع عسل النحل هو بحر لا ساحل له من النكهات والفوائد. سواء كنت تبحث عن شفاء، أو طاقة، أو مجرد مذاق حلو يزين مائدتك، فإن الطبيعة قد وفرت لك نوعاً يناسبك تماماً. إن التنويع في استهلاك أنواع العسل المختلفة يمنح جسمك طيفاً واسعاً من العناصر الغذائية المتنوعة، فلا تحصر نفسك في نوع واحد طوال حياتك. نأمل أن يكون هذا الدليل قد أضاء لك الطريق في اختيارك القادم، لتستمتع بكل قطرة من هذا الرحيق المبارك بوعي وفهم أعمق.

اترك ردّاً